تتمثل أهمية التعديل الدستوري في الجزائر في كونه قفزة نوعية نحو الرقي السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي، و يمس تعديل الدستور الجزائري لسنة 2016 على وجه الخصوص جوانب جد هامة من شأنها ضمان حقوق الأفراد و المؤسسات و تعزيز الأمن في الوطن، و في هذا الصدد، و تحت إشراف جامعة الجيلالي بونعامة بخميس مليانة، نظم مخبر البحث "نظام الحالة المدنية" الندوة الوطنية الأولى حول: "دراسات في مشروع التعديل الدستوري لسنة 2016" يوم الثلاثاء 02 فبراير 2016 بحضور كل من ممثل عن نيابة رئاسة الجمهورية و محاضرين و أساتذة و كذا طلبة و باحثين بالإضافة إلى الأسرة الإعلامية للجامعة، و تسلط هذه الندوة الضوء على النقاط التي تم تعديلها في الدستور و كذا مدى دستورية هذا التعديل و توازيه مع احتياجات المجتمع الجزائري، كما تهدف إلى توضيح سبب اختيار هذا التوقيت و مناقشة المنهج الذي تبناه المؤسس لهذا التعديل، بالإضافة إلى مقارنة البنود المعدلة قبل و بعد التعديل و تفسيرها.

 

          قسمت الندوة إلى عدة محاور أولها: "الإطار العام للتعديل الدستوري"، وقد أشارت د. طيبي سعاد، مدير مخبر نظام الحالة المدنية، إلى موضوع الندوة في كلمتها الافتتاحية التي ألقتها على مسمع الحضور و التي شكرت فيها رئيس الجامعة البروفيسور بزينة محمد لسهره الدائم على إنجاح التظاهرات العلمية في الجامعة، كما تقدمت بالشكر الخالص إلى كل من د. بن جيلالي فلة، نائب المدير المكلف بالعلاقات الخارجية و التعاون و التنشيط و الاتصال و التظاهرات العلمية، نواب المديريات و عمداء الكليات و الطاقم الإداري الذي سهر على تنظيم هذه الندوة و كذا الأسرة الإعلامية، كما لم تنس السيد ممثل نيابة رئاسة الجمهورية لحضوره المشرف، و خصت بالذكر أعضاء مخبر نظام الحالة المدنية لمواكبتهم المستمرة للأحداث خاصة هذا الحدث الذي تعيشه الجزائر ألا و هو تعديل الدستور الذي عرض مشروعه مؤخرا على المجلس الدستوري و سيعرض على البرلمان للتصويت عليه، حيث تهدف الدولة، تضيف المتحدثة، إلى إقامة التوازن بين الحرية و المصلحة العامة، و بهذا يسعى الدستور إلى إحداث التوازن في الدولة، و بالرجوع إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي تبنته الأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948 في قصر شايو في باريس، فإنه يتوجب على الدولة أن تكفل حقوق و حريات الأفراد على اختلاف طبقاتهم، الأمر الذي لا مناص من تضمينه في الدستور، هذا الأخير الذي لطالما تغير حسب متطلبات الدولة و بالتطابق مع مبدأ الشرعية و الديمقراطية. هذا و قد طرحت د. طيبي سعاد إشكالية الندوة و المتمثلة في ما إذا كان مشروع تعديل الدستور كفيلا بتعزيز أكبر للحريات و الحقوق لا سيما تلك التي تضمنها الدستور المؤرخ في 23 فبراير 1989، و ما إذا كان هذا المشروع فعلا من صلاحيات رئيس الجمهورية في هذا التوقيت بالذات.

 

          أحيلت الكلمة من بعدها إلى نائب مدير الجامعة المكلفة بالعلاقات الخارجية التي رحبت بدورها بكل السيدات و السادة الحاضرين في هذا الموعد العلمي الذي يدور حول موضوع من أهم مواضيع الساعة ألا و هو مشروع تعديل الدستور لسنة 2016،مبينة أنه  حدث سياسي اجتماعي قانوني في غاية الأهمية وأعلنت عن افتتاح أشغال الندوة متمنية أن تتكلل هذه الأخيرة بنتائج إيجابية.

 

          أما المحور الثاني للندوة فقد عنون ب: "المركز القانوني لديباجة الدستور الجزائري"، وقد كانت أول مداخلة فيه من نصيب د. رواب جمال من جامعة الجيلالي بونعامة بخميس مليانة بعنوان: "القيمة القانونية للديباجة" و التي تحدث فيها عن الديباجة، بمعنى المقدمة أو التمهيد، و أهميتها في الدستور و ما تتضمنه من نصوص، حيث أن لها قيمة قانونية مثلها مثل المواد و الأحكام القانونية في الدستور. و من ثم قدمت المداخلة الثانية بعنوان: "قراءة في المواد المنظمة للحق في التشريع على ضوء مشروع التعديل الدستوري" من طرف أ. بن سونة خير الدين الذي أشار إلى حق المبادرة في سن القوانين و تعزيز دور النواب في هذه المبادرة، بالإضافة إلى دور كل من الوزير الأول و رئيس الجمهورية.

 

          جاء المحور الثالث للندوة تحت عنوان: "التعديلات الدستورية المتعلقة بالمبادئ العامة"، و قد تضمن عدة مداخلات هامة أولها مداخلة أ. لباد ناصر من جامعة سطيف، وهو أستاذ خبير في الجماعات المحلية، بعنوان: "التعديل الدستوري و الحريات العامة، دراسة حالة الجماعات المحلية"، حيث عرض النقائص التي تضمنها المشروع التمهيدي للدستور حسب وجهة نظره، أهمها تغاضي المؤسس عن ضرورة تنصيب عاصمتين للدولة و اقترح إحداهما مدينة الجزائر كعاصمة اقتصادية و الأخرى مدينة بوغزول في ولاية المدية كعاصمة سياسية إدارية. أما المداخلة الثانية فكانت من تقديم د. عمارة مسعودة من جامعة البليدة 02 تحت عنوان: "قراءة جديدة لحقوق المرأة في مشروع التعديل الدستوري لسنة 2016"، و قد تطرقت إلى اتفاقية سيداو (اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة CEDAW)، و هي معاهدة دولية تم اعتمادها في 18 ديسمبر 1979 من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة لتحسين أوضاع المرأة و حمايتها و نشر ثقافة حقوق المرأة، و قد قامت المداخلة بإسقاطها على مشروع دستور 2016، حيث أن الجزائر قد سبق لها و أن صادقت على هذه الاتفاقية سنة 1996 و لكن بصورة متحفظة و عادت لتطنب عن حقوق المرأة في مشروع دستور 2016 و ضرورة مساواتها مع الرجل. قدمت المداخلة الثالثة من طرف أ. ثوابتي إيمان ريما سرور من جامعة سطيف حول: "التأسيس الدستوري للحقوق الأساسية في العمل في ظل مشروع التعديل الدستوري لسنة 2016"، و قد عرجت على جميع الدساتير الجزائرية انطلاقا من دستور 1963 و التي دسترت كلها حق المواطن الجزائري في العمل، كما نوهت إلى ضرورة استفادة الجميع من الضمان الاجتماعي، الأمر الذي لم يرد في مشروع دستور سنة 2016. و قد كانت آخر مداخلة في هذا المحور من نصيب د. أكرور مريام من جامعة الجزائر 02 بعنوان: "دسترة مبادئ النشاط الاقتصادي في ظل مشروع التعديل الدستوري لسنة 2016"، حيث ركزت في مداخلتها على حق الملكية الخاصة و ضرورة دسترتها في التعديل الدستوري الجديد، و كذا تقوية مبدأ المساواة في القانون الاقتصادي بمعنى عدم التمييز بين المتعاملين الاقتصاديين.

 

          حمل المحور الرابع للندوة عنوان: "التعديلات الدستورية المتعلقة بالسلطات العامة الثلاث و المؤسسات الرقابية المعدلة و المستحدثة"، و قد قدمت فيه مداخلات في غاية الأهمية استهلها د. بن عيسى أحمد من جامعة سعيدة بمداخلته حول: "متطلبات تطوير العمل البرلماني، قراءة في نصوص مشروع التعديل الدستوري"، حيث انتقد كثرة مواد الدستور بالإضافة إلى الإطناب الشديد في تفسيرها، كما أشار، حسب وجهة نظره، إلى أن الدستور كان استعجاليا و طغى عليه الجانب القانوني البحت، كما تطرق إلى صلاحيات مجلس الأمة و طريقة تعيين أعضائه و انتخابهم. عنونت المداخلة الثانية ب: "تفعيل دور مجلس الأمة من خلال المقتضيات الجديدة لمشروع التعديل الدستوري لسنة 2016" قدمتها د. مسراتي سليمة من جامعة البليدة 02 و تناولت فيها تأثير المقتضيات الدستورية الجديدة و تفعيل الدورين التشريعي و الرقابي لمجلس الأمة، حيث يتعين على أعضائه التفرغ الكلي لممارسة مهامهم حسب ما جاء في مشروع قانون التعديل الدستوري لسنة 2016. تلتها مداخلة د. سمري سامية من جامعة الجزائر 01 بعنوان: "تنظيم السلطة التنفيذية في إطار مشروع التعديل الدستوري لسنة 2016" و التي تطرقت فيها إلى إشكالية دور السلطة التنفيذية من حيث علاقة رئيس الجمهورية بالوزير الأول و من ثم علاقته بالسلطة التشريعية، مشيرة إلى ضرورة التزام كل سلطة بدورها و مستدلة بقول الرسول (عليه الصلاة و السلام): "كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته". كما قدمت طالبة الدكتوراه بوزيفي شريفة، عضو في مخبر نظام الحالة المدنية، مداخلة حملت عنوان: "التحليل لمواد المشروع التمهيدي لمراجعة الدستور (استقلالية السلطة القضائية)"، حيث أشارت إلى ضمان استقلالية السلطة القضائية من طرف رئيس الجمهورية، الأمر الذي أقره مشروع تعديل الدستور لسنة 2016، كما نوهت إلى القضاء الإداري و القضاء العالي اللذين تتضمنهما هذه السلطة. أما المداخلة الخامسة فكانت من تقديم د. عباس راضية من جامعة البليدة 02 و قد عنونتها ب: "المجلس الدستوري على ضوء مشروع التعديل الدستوري لسنة 2016"، و تطرقت فيها إلى ضرورة احترام القانون و تكريسه من خلال هيئة المجلس الدستوري التي وردت في مشروع تعديل الدستور لسنة 2016 من أجل تدارك النقائص التي كانت تعتريها، كما أشارت المداخلة إلى تأثير التعديل الدستوري على استقلالية المجلس و كذا على ضمان فعاليته كونه هيئة مستقلة إداريا و ماليا. و اختتمت المداخلات بتلك التي قدمتها د. بوحية وسيلة من جامعة الجيلالي بونعامة بخميس مليانة بعنوان: "الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في ظل مشروع التعديل الدستوري لسنة 2016" و التي تحدثت فيها عن تأسيس هذه الهيئة التي أدرجت كمؤسسة دستورية جديدة كلفت بمهام الرقابة و الاستشارة و هو أكبر دليل على تنفيذ الجزائر لالتزاماتها الدولية و عزمها على مكافحة الفساد بكل أشكاله و خاصة البيروقراطية.

 

          تجدر الإشارة إلى أن كل محور من المحاور الآنفة الذكر قد تلاه نقاش علمي بناء بين الحضور أين طرحت تعقيبات و مداخلات و تساؤلات في سياق موضوع الندوة من طرف الأساتذة و الطلبة الذين تلقوا إجابات شافية و وافية من طرف المحاضرين في إطار مشروع تعديل الدستور لسنة 2016 و ما جاء به من مستحدثات و توضيحات من شأنها ضمان حفظ حقوق المواطنين و المواطنات سياسيا و قانونيا و اقتصاديا و اجتماعيا. كما تم في نهاية الندوة تكريم الأساتذة المشاركين لإسهامهم الفعال في إثراء الدراسات في مشروع التعديل الدستوري لسنة 2016 الذي نظمت من أجله هذه الندوة الأولى من طرف مخبر البحث "نظام الحالة المدنية" تحت إشراف مدير المخبر د. طيبي سعاد، و نظرا لأهمية هذا الموضوع و عمقه فقد خرج بتوصيات هامة خاصة على الصعيدين السياسي و القانوني و التي تمثلت فيما يلي:

 

  • تثمين مشروع التعديل الدستوري لما ورد فيه من نصوص و مقتضيات جديدة.
  • · تزكية المسعى الجديد الذي تضمنه مشروع التعديل الدستوري و المتعلق بتوسيع مضمون الديباجة و اعتبارها جزء لا يتجزأ من الوثيقة الدستورية.
  • · تأييد توسيع و تعزيز الحقوق و الحريات العامة.
  • تثمين توسيع اختصاصات السلطة التشريعية خاصة ما تعلق بتعزيز دورها التشريعي و الرقابي.
  • تدعيم النصوص الدستورية المستحدثة بشأن استقلالية المجلس الدستوري و توسيع آليات إخطاره و صلاحياته.
  • إعادة النظر في صياغة بعض المواد و ترتيبها ترتيبا منطقيا.
  • · ضرورة مواءمة النصوص التشريعية مع المقتضيات الدستورية الجديدة دون إفراغها من محتواها الجوهري ، مع التعجيل بإصدار القوانين المتعلقة بها.
  • إضافة أحكام انتقالية لمعالجة الفراغات الدستورية الناتجة عن المصادقة على مشروع الدستور و دخوله حيز النفاذ.

 

بالإضافة إلى تبني الاقتراحات التالية:

 

  • إعادة النظر في صياغة بعض المواد و ترتيبها ترتيبا منطقيا.
  • · ضرورة مواءمة النصوص التشريعية مع المقتضيات الدستورية الجديدة دون إفراغها من محتواها الجوهري ، مع التعجيل بإصدار القوانين المتعلقة بها.
  • إضافة أحكام انتقالية لمعالجة الفراغات الدستورية الناتجة عن المصادقة على مشروع الدستور و دخوله حيز النفاذ.